مجموعة مؤلفين
107
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
قلت : فحينئذ يكون علمه بالجزئيات على وجه كلي لا جزئي ، وهو خلاف المفروض ، فهو يعلم الأشخاص من حيث إنها مشخصة بمشخصات خاصة بها ، وعند ذلك يصح تطابق ما في العلم لما في العين مطابقة الفعل بالفعل . فإن قلت : قد يلوح من هذا قدم الحوادث اليومية وهو محال ضرورة . قلت : لقد لاح لك ما خفي على غيرك فالزم ، فإن الأمر كذلك ، والذي نحكم به بداهة هو الحدوث عندنا لا في نفس الأمر ، فقد يكون الشيء قديما بالنسبة إلى تحققه في نفس الأمر حادثا بالنظر إلى مشاهدتنا إياه ، فلا يلزم في حدوثه عندنا حدوثه في نفسه ، كما إذا أخذنا مرآة ونظرنا فيها إلى ما لا يواجهنا من الصور ، فيصح حدوثها عند شهودنا ، وعدم حدوثها من حيث إنها كانت متحققة قبله ، أي : قبل شهودنا ، وتحقيق ذلك الموجودات بأسرها مرتسمة بجميع أحوالها في حضرة العلم الأزلي . فإذا إنه مبدأ لذواتها أو لغيرها كان هو سبحانه مبدأ لهذه المشاهدة ، ومن حيث أراد اللّه شهودا لها يطلق عليه بطريق المجاز أنه مرآة لها في ظهور ذواتها لها ، فكان ذلك الظهور هو وجودها الخارجي الذي يحكم بحدوثه البديهة ، وكان ارتسامها في حضرة العلم هو وجودها العلي القديم ، فما حدث إلا الظهور . وأما نفس ذات الوجود فهي على حالة واحدة أزلا وأبدا لم تكتسب بوجودها الخارجي حالة لم تكن عليها للزومه الجهل ، وما اكتسب سوى ظهورها عند نفسها ، أو عند غيرها أو هما معا ، وعلى هذا فالحق تعالى يعلم الجزئيات على الوجه الجزئي ، ولا يلزم التغير ولا الجهل ، ولا حدوث التعلقات لحدوثها غير أنه يبقى هنا نظر سنشير إليه إن شاء اللّه تعالى .